صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

197

شرح أصول الكافي

بها كلها من صنعه « 1 » وجوده ، على أن المادة ابعد الموجودات منه وأخسها رتبة ، فكيف يتوقف فعله المطلق على مادة أو موضوع أو أصل متقدم عليه ؟ والثالث انه خلق الأشياء بقدرته وحكمته اللتين هما عين ذاته ، اما ان ايجاده بالقدرة والحكمة : فلدلالة افعاله المحكمة المتقنة وكون العالم على اشرف نظام واحكم ترتيب وأحسن تقويم عليه ، واما كونهما عين ذاته : فلما علمت من نفي الزائد وبطلان التسلسل . الرابع ان ليست له في فعله وجوده غاية تدعوه إليه غير ذاته كما في سائر الفاعلين الذين لهم في فعلهم غاية يقصدونها وغرضا يأمونه « 2 » فيتصور صورة تلك الغاية أولا عندهم ويرتسم في ذاتهم فيقصدونها ويفعلون افعالهم لأجل حصولها ثم يستكمل ذواتهم بها ، فكل فاعل لقصد وصانع لمطلب غير ذاته فهو ناقص في ذاته ، والفاعل الأول تعالى اجل من أن يصنع شيئا لأجل شيء غير ذاته ، لبراءته عن النقص والشين ، بل ذاته « 3 » غاية كل شيء بلا غاية كما أنه مبدأ كل شيء بلا مبدأ . والخامس وهو كالنتيجة لما سبق ، انه خلق ما شاء كيف شاء متوحدا بذلك ، اي خلق الموجودات بمشيئته ومحبته التي هي نفس ذاته ووجوده من غير كثرة من تركيب صفة أو تشريك أحد . السادس ان ايجاده للأشياء ليس الا اظهار حقيقته وإنارة حكمته ، فان ذاته نور الأنوار فانبجست منه الأنوار والأضواء وحكمته حكمة الحكم فانبعثت عنه صور الأشياء كما هي ، ومن خاصية النور الاظهار ومن خاصية الحكمة الإفادة والإفاضة ، وقد مر ان العالم ظل الحق ومثاله ، وكل يعمل على شاكلته « 4 » . فهذه ستة من أوصاف الربوبية ونعوت الإلهية حمد اللّه باعتبارها . ثم شرع في نعته ببعض محامد الذات وهو : ان وجوده تعالى لكونه حقيقة الوجود الصرف الذي لا أتم منه وهو أصل سائر الوجودات الذي لا يتناهى وجوده شدة وفوق الذي لا يتناهى عدة ومدة وكل وجود رشح وفيض وتبع عن وجوده فلا يساويه وجود ولا يدانيه

--> ( 1 ) - صنعة - م - د - ط . ( 2 ) - الامنة : الاطمئنان وسكون القلب . يؤمونه - م . ( 3 ) - بذاته . النسخة البدل . ( 4 ) - الاسراء 84 .